تراميسيو - tiramisu

الأصابع المبهجة

حلوى إيطالية بمذاق القهوة العظيم، مصنوعة من طبقات البسكويت المغمورة في الإسبريسو وكريمة الجبن الغنية، عَرَّفت هذه الحلوى الفريدة قبل الإنتشار السرطاني لمحلات القهوة والحلويات، و رغم رواجها في الآونة الأخيرة إلا انها لم تكن متاحة عندما قرأت عنها اول مرة في تقرير بصحيفة الشرق الاوسط، ليجذبني اسم البسكويت ( Ladyfingers) أي أصابع السيدة فتبحر مخيلتي بسن التاسعة بحثا عن عدة تفسيرات لهذا الإسم.

وهي المرحلة التي أصبحت فيها مُولعة بقراءة الصحف والمجلات واستنشاق رائحة القهوة والتي كانت تفوح بشكل طاغي في  أرجاء حينا صباح كل يوم وتغمرني حتى قبل ان اقتحم صندوق إشتراكات الصحف المعلق أمام مدخل المنزل، فتقودني قدماي للتجوال في الحي بحثا عن نافذة تفيض بعبق القهوة ورغم أنى كنت استحث أنفي لتتبع الرائحة واسأل كل من اصادفه عن مصدرها ظلت هذه النافذة سرًا عصيا عن الكشف لعدة سنوات.

عرفت فيها جمال الصباح وإثارة التنزه في الحي قبل إستيقاظ سُكانه،واستمتعت بزقزقة العصافير ومراقبة تثاؤب القطط الخاملة،وركضت خلف أسراب الحمام وجمعت كل ما صادفته من مصاقيل يتيمة.


لقد عِشت أجمل مغامراتي في الصباح فكنت اللاعب الاحتياطي لفريق أخي وحارس المرمى عند غياب أحد اللاعبين، وأنقذت عصفورًا مصابًا وخضت غمار العديد من حروب الصواريخ الورقية مع أولاد الحي المجاور ولطالما إنتهت هذه المغامرات بزيارة سريعة لبقالة الحي لشراء حلاوة chupa chups بنكهة الكاكاو والفانيلا لتكون ملعقة السكر المستخدمة في تحريك حليب النسكافية لتبريده بينما ترمقني جدتي بتعجب وكانت هذه أول بوادر عشقي للتراميسيو والقهوة.

كبرت و اكتفيت بكوب نسكافيه غارق بالسكر أتناوله عصرًا وأنا اقرأ مجلات الكوميكس القديمة وروايات أجاثا كريستي فوق سطح منزلنا، تطورت لاحقًا إلى طلبات مزج جرعات اضافية من الإسبريسو مع الكابتشينو في بارنيز وأنا في طريقي لمشاهدة غروب الشمس على الكورنيش، ليسدل الستار أخيرًا على لغز النافذة وأنا أرتشف القهوة التركية مع أُختي وهي تحكي لي عن محامص البن القديمة والتي تقع خلف منزلنا على بُعد مربع سكني وكيف أن الرائحة اصابتها و نساء الحي بجنون شرب القهوة، كل هذا حدث قبل إفتتاح مقهى ستار بوكس في جدة وإنتشار موضة القهوة المختصة.

ولهذا عند إستنشاق رائحة القهوة تتيقظ بداخلي المشاعر الطيبة والتفاصيل الجميلة، إذ ارتبطت رائحتها بكثير من الذكريات السعيدة وكانت السبب الأكبر في حبي للقراءة والتنزه الصباحي وبالطبع التراميسيو.

فمنذ اللحظة التي قرأت عنها بدأت بالبحث عن أبسط مزيج لتحضير تراميسيو سريع ولذيذ، وأعتقد أني استخدمت في تحضيرها مختلف المكونات المتاحة والتي قد تخطر ببال فتاة بسن التاسعة ولا أُبالغ حين أقول أني تناولتها بمختلف أشكالها البسيطة والمعقدة والغريبة، وبسببها تولدت لدي رغبة عارمة في تغميس الكيك في الإسبريسو بما يكفي لإثارة الجلبة في إحدى المطاعم .


تاريخ التراميسيو

رغم بساطة تحضير التراميسيو إلا أن الحديث عن أصلها معقد بشكل مثير للسخرية والجدال مستمر إلى الآن حول منشأها وحقوق ابتكارها، فتتنازع أصول التيراميسو بين منطقتين ايطاليتين هما منطقة فينتو (Veneto) حيث يقال أنه تم ابتكار الوصفة بمدينة تريفوس (Treviso) وبين منطقة فريولي (Friuli) حيث اشتهر مطعم بتقديم نفس الحلوى ، ورغم إن فكرة الحلوى قد تكون معروفة منذ القرن السابع عشر لكن الجمع بين القهوة والكاسترد والشكولاتة هو الإبتكار الحقيقي للطبق .

وتتفق جميع المصادر بأن الوصفة إيطالية وربما عرفت في أواخر عام 1968 ولكن لم تتبلور فكرة الحلوى بمكوناتها الشهيرة إلا مع نهاية السبعينيات عند استخدام جبنة الماسكاربوني، وسرعان ما انتشرت في إيطاليا وبحلول الثمانينات أصبح كل مطعم يحضر نسخته الخاصة من التراميسيو، ثم تحول الى صراع نلمسه في تزاحم القصص حول اسم مبتكرها.

كما تجمع المصادر الى إن أول وصفة معروفة للتراميسيو نشرت في مجلة فين فينيتو عام 1981 لمطعم Le Beccherie في Veneto وتمت الاشارة الى قصة السيدة Alba Campeol والتي شعرت بضعف شديد بعد ولادة طفلها فقامت والدة زوجها بتحضير الكاسترد الإيطالي مخلوطًا بالقهوة المحمصة وأخبرتها أنها ستمنحها القوة والنشاط It will lift you up، وعندما رجعت السيدة ألبا للعمل في المطعم قامت بتطوير الوصفة مع الشيف Liguanotto إلى حلوى متعددة الطبقات بمسمى تراميسيو.

شخصيًا أُفضّل هذه القصة كما أجدها توضح معنى التراميسيو والذي يعني أبهجني وتُفسر سبب إختيار المكونات والتي تمنح الطاقة والسرور عند تناولها مع بعضها البعض.

السيدة البا تتوسط ابنها والصحفية جوليا 

ألذ الاطباق تولد من خلال إبداع طاهي في لحظة ملهمة


أنواع التراميسيو

تنوعت التراميسيو إلى أطباق مختلفة وتفرعت إلى وصفات بعضها لا علاقة له بالوصفة الأصلية سوى في فكرة ترطيب البسكويت ورصف الطبقات، والمتتبع لوصفات التراميسيو بين الكتب القديمة والحديثة سوف يلاحظ مقدار التحول في المكونات ولهذا أُحب تصنيف وتسمية الوصفة بناء على التغيير والتطوير الذي يمس المكونات وطريقة التحضير بحيث يتاح لي أيضًا التفريق بينها ومعرفة طعم كل نوع وتحضير الطبق بحسب المكونات المتاحة لدي وأُصنفها كالتالي:

  • التراميسيو الكلاسيكي

    وتتكون الكريمة من المكونات الأساسية وهي جبنة الماسكربوني (Mascarpone) والكاسترد الإيطالي زاباجليوني (zabaglione)، وتتميز بأنها خالية من الكريمة المخفوقة.

    ومرجعي في ذلك وصفة مطعم Le Beccherie، ويُحضر الكاسترد الإيطالي من صفار البيض النّي المخفوق مع السكر والفانيلا قبل إضافته إلى الكريمة وهذا ما يمنح الكريمة اللون الأصفر المميز ويُكسبها نكهة فريدة وقوام حَريريّ.

    ونجد أن بعض الوصفات تتضمن إضافة بياض البيض أيضًا فيتم خفقه حتى تتشكل القمم ثم يُضاف إلى خليط الماسكربوني والكاسترد وهذا يجعل الكريمة أكثر خفة.

الصورة لتراميسو بطريقة ألبا

  • التراميسيو المطور

وتتسم بإضافة الكريمة المخفوقة إضافة إلى المكونات الكلاسيكة الكاسترد والماسكربوني والإختلاف نجده في طريقة تحضير الكاسترد فنتيجة المخاوف المتزايدة من تناول البيض النّي تم تطوير الوصفة وتغيير طريقة تحضير الكاسترد الإيطالي إلى طريقة تحضير الكاسترد الإنجليزي والذي يعتمد على الحرارة في تكثيفه، حيث يتم خفق صفار البيض في حمام مائي أو على النار بما يكفي لتفادي التسمم الغذائي وسنحصل على نفس المذاق وإن كان البعض يجد أن الطريقة الإيطالية تتسم بقوام أخف، أما بالنسبة لبياض البيض فتم إستبداله بالكريمة المخفوقة.

الصورة لتراميسيو مطور من إعداد آنا ماريا

  • التراميسيو الأمريكي

 لم يقتصر التغيير على الكاسترد إذ طال ليشمل الجبنة، ففي غياب جبنة الماسكاربوني في أمريكا وإرتفاع كلفته مع الشحن إستخدم المهاجرون الجبن الكريمي أو جبنة القشدة (Cream cheese) والمشهورة بمسمى جبنة فيلادلفيا والتي عُرفت منذ بداية السبعينيات وانتشرت تجاريًا في الثمانينات وهي الفترة التي إزدهرت فيها حلوى التراميسيو.

وكلاهما من نفس النوع لكن تتميز جبنة الماسكربوني بمذاق حلو خفيف وملمس ناعم ويمكن تذوق طعم الزبدة فيها بعكس جبنة فلادليفيا والتي تتسم بمذاق يميل للحموضة قليلًا وطعم قوي وقوام أكثف،لكنها تظل البديل الأفضل وسنجد أن بعض الوصفات تتضمن كلا النوعين للوصول الى نكهة مركبة يتباين فيها الطعم الحلو والحامض.