Film Review: The Father.

Director: Florian Zeller | 1h 37min | Drama | PG-13 | 2020

RATING: 8.5/10


أن تعيش في منزل مع مريض آلزهايمر، ترى في عينيه نظرات القلق، التشويش والضياع، يغضب كما لم تره من قبل، ينهار كالطفل يحتاج منك أن تطمأنه أن أوراق أغصانه -ذكرياته- لم تقع وأن الحياة تمشي في خط زمني يعيه العقل، لكن الحقيقة هي أن الوقت واليوم والأمس والغد هما أسوء أعدائه، لا خطوط بينهم، لا فواصل ولا معالم واضحة لهما. 

أشعر وكأنني أفقد كل أوراقي. الأغصان والرياح والمطر، ولا أعلم ماذا يحدث بعد الآن.

Anthony (The Father)

يقول المخرج والكاتب المسرحي “فلوريان زيلر” أن جدته بدأت تعاني من مرض ألزهايمر عندما كان عمره 15 عامًا، ولهذا السبب كتب مسرحية (The Father) التي عُرضت في فرنسا أولًا ومن ثم في عدد من البلدان الأخرى، وعلى الرغم من إختلاف المناطق التي شاهد الجمهور فيها المسرحية إستجابتهم كانت نفسها من حيث تأثيرها وملامستها لقلوبهم، حينها أدرك “فلوريان” أن قصته عالمية ويجب عليه نقلها للشاشة الكبيرة لتصل للألآف فصنع فيلم (The Father).

أعتقد أن السينما التي عرضها “فلوريان زيلر” هي سينما إنسانية وحقيقة نحتاجها الآن أكثر مما مضى فلطالما كانت مشاهدة الأفلام طريقتي لأعيش تجارب أشخاص تلاشت أجزاء منهم ولكن لا يزالو يعيشون معنا، وجدت جزءًا من واقعي بداخل الفيلم وجلّ ما أردت فعله بعد إنتهاءه أن أخوض التجربة مرة أخرى، على الرغم من مقدار الحزن الذي شعرت به. الممثل العريق “أنثوني هوبكنز” أرخى من دفاعه وقدم أحد أعظم الأداءات الدرامية لنعيش تجارب من عانو من هذا المرض ونحلّق سويًا ومعهم في فضاء النسيان، لعل وعسى أن يكون في ذلك عزاء لنا.

 تدور قصة الفيلم حول رجل مسن يعيش حالة إنكار بعد إصابته بمرض آلزهايمر ويرفض مساعدة إبنته "آن” في التأقلم مع نمط حياته الجديد بينما عقله يحيك الألاعيب فيبدأ بالشك بالواقع وجميع من حوله. تم ترشيح الفيلم لستة جوائز أوسكار حصد على جائزتين منها في فئة أفضل ممثل عن أنثوني هوبكينز وأفضل سيناريو مقتبس عن فلوريان زيلر وكريتسوفر هامبتون.


وتميزت عناصر الفيلم دون أن ترغمنا بأن نشعر بوجودها، فأثناء مشاهدتي لم أقف للحظة وأفكر بالمخرج، أو االكاتب أو المحرر، لم أفكر بأن “أنثوني هوبكنز” ممثل عظيم أو بأن “أوليفيا كولمان” تقمصت الدور بشكل جيد وهذا يعود لتركيبة الفيلم وطريقة سرد القصة التي جعلتنا نعيش واقع الشخصيات وننسى أن ننتقده أو نحلل هيكله أو بالأحرى إنسانية التجربة تفقدك الرغبة في فعل ذلك.

في المشهد الإفتتاحي، نتعرّف على شخصيات الفيلم “أنثوني” الرجل المسن الذي -ربما- يعيش في شقة إبنته “آن” بعد إصابته بمرض آلزهايمر، يصور الفيلم من منظوره روتينه العادي وأيامه بعد أن سيطر المرض على عقله والفوضى التي يشعر بها لأنه غير قادر على التمييز بين الحاضر والماضي، والتفريق بين الخيال والواقع، وما تقوله إبنته حقًا وما يحكيه عقله له.


شخصية “أنثوني”  تتطور منذ بداية الفيلم وحتى نهايته من خلال المواقف التي يمر بها مع إبنته فنرى جميع جوانبه الساحرة والمضحكة، الغاضبة والمضطربة والحزينة، نراه يطوّر آلية دفاع (Coping Mechanism) ليتعايش ويملئ الفراغات المفقودة من حقل ذكرياته، حوارات شخصيته كانت مليئة بالكوميديا السوداء التي تقوم على الإستهزاء من “حقيقة” لا يريد أنثوني تصديقها فيمزح بشأنها لكيلا يبكي بسببها، في الجهة المقابلة، نرى عن طريق أوليفيا كولمان بدور شخصية “آن” تأثير المرض على حياة أسرة المريض وكيف يجب عليهم -أحيانًا- أن يرسمو حياتهم وفقًا لظروف المريض ومدى تفاقم الأعراض لديه.

باريس؟ انهم لا يتحدثون الإنجليزية هناك

Anthony (The Father)

يقول أنثوني هوبكنز أنه لم يضيف شيئًا للنص على الرغم بأني أرى أن أدائه أضاف كل شيء إليه ولكن مايقصده هو أن السيناريو كان محكم الإغلاق من كل الجهات ولهذا السبب كان مقدرًا للفيلم أن ينجح، مليئ بالحوارات الشاعرية كما أراه، ذكرني كثيرًا بفيلمي المفضل للعام تحفة كوفمان (I Am Thinking of Ending Things) حيث أستخدم فلوريان زيلر أيضًا الإنتاج الفنّي السحر الذي ينقلنا عبر الأزمنه لكي ينقلنا عبر فترات زمنية ليست ببعيدة جدًا ولا قريبة جدًا، لا نعرف مكانها المحدد في زمن الفيلم، التصوير السينمائي والموسيقى التصويرية كانا عنصرين أساسيًا بحيث أنه مع بداية كل مشهد يتم تأطير الصورة لغرض معين قد يكون لكي نلاحظ المرحلة التي تطور إليها زهايمر أنثوني أو ليعلن بداية صدمة جديدة يتلقاها.

التحرير، والتحرير والتحرير! جامع قطع الأحجية محرر الفيلم “Yorgos Lamprinos” لم يكتفي بجمع أجزاء الفيلم ولكنه حقق رؤية المخرج بأفضل شكل ممكن، فكان قبطان السفينه ومرافقنا الخفي في الرحلة، شخصية تلقي التحية على أنثوني ومن ثم تختفي وتسمح لغرباء آخرين بإقتحام حياته، تكرار بعض المشاهد والحوارات بلا سابق إنذار، باريس، وباريس وباريس، قطعة الدجاج، العشاء والساعة، وباريس والساعة مجددًا، في كل مرة يبحث فيها أنثوني عن ساعة يده نتذكر مأسآة حياته، وفي كل مرة يردد: “باريس؟ انهم لا يتحدثون الإنجليزية هناك.” تتشكل الدموع في عين “آن” وتكافح لكي لا تنهار أمامه، الكفاح الذي يعبّر عن مقدار حبها له وإستعدادها لتزييف إبتسامة وضحكة لخاطر ذاكرته اللحظية.

I want my mummy.

I want my mummy. 

Anthony (The Father)

تتجسد المشاعر كلها في “مونولج” أنثوني الذي يحكي فيه عن والدته ورغبته بالعودة للمنزل، عن تساقط أوراق الشجر، عن الريح والمطر وعن ضياعه في فضاء النسيان وجهله بما يحدث في الآن -الوقت الحاضر- إنتشرت القشعريرة في جسدي مع كل كلمة نطقها أنثوني حتى أعلنت الشاشة السوداء نهاية الفيلم، ولكن ظلت هذه الكلمات تتردد في ذهني: باريس، قطعة الدجاج، الشقة والساعة، باريس وقطعة الدجاج، وساعة يدي أين هي؟ فيلم (The Father) هو تجسيد رائع، عميق، شاعري وحزين لتجارب من يعاني من مرض الزهايمر، ففي عقولهم عشنا وفي فضاء النسيان حلّقنا وكما تعلمون، إنهم لا يتحدثون الإنجليزية في باريــــــــس!

هديل محرم، الثاني عشر من مايو ٢٠٢١